الشوكاني

137

فتح القدير

بل تؤدى على حسب السماع ، ولا يمتنع أن يكون في الاسم لغتان للعجم ، أو تغيره العرب تغييرين ، قال المهدوي : من قرأ بلام واحدة فالاسم يسع والألف واللام مزيدتان ، كما في قول الشاعر : رأيت الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا بأعباء الخلافة كاهله ومن قرأ بلامين فالاسم ليسع ، وقد توهم قوم أن اليسع هو إلياس وهو وهم ، فإن الله أفرد كل واحد منهما . وقال وهب : اليسع صاحب إلياس ، وكانوا قبل يحيى وعيسى وزكريا ، وقيل إلياس هو إدريس ، وهذا غير صحيح لأن إدريس جد نوح وإلياس من ذريته ، وقيل إلياس هو الخضر ، وقيل لا بل اليسع هو الخضر ( وكلا فضلنا على العالمين ) أي كل واحد فضلناه بالنبوة على عالمي زمانه ، والجملة معترضة . قوله ( ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ) أي هدينا ، " ومن " للتبعيض : أي هدينا بعض آبائهم وذرياتهم وأزواجهم ( واجتبيناهم ) معطوف على فضلنا ، والاجتباء الاصطفاء أو التخليص أو الاختيار ، مشتق من جبيت الماء في الحوض جمعته ، فالاجتباء ضم الذي تجتبيه إلى خاصيتك . قال الكسائي : جبيت الماء في الحوض جبى مقصور ، والجابية الحوض ، قال الشاعر : * كجابية الشيخ العراقي تفهق * والإشارة بقوله ( ذلك هدى الله ) إلى الهداية والتفضيل والاجتباء المفهومة من الأفعال السابقة ( يهدى به ) الله ( من يشاء من عباده ) وهم الذين وفقهم للخير واتباع الحق ( ولو أشركوا ) أي هؤلاء المذكورون بعبادة غير الله ( لحبط عنهم ) من حسناتهم ( ما كانوا يعملون ) والحبوط البطلان . وقد تقدم تحقيقه في البقرة ، والإشارة بقوله ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب ) إلى الأنبياء المذكورين سابقا : أي جنس الكتاب ليصدق على كل ما أنزل على هؤلاء المذكورين ( والحكم ) العلم ( والنبوة ) الرسالة أو ما هو أعم من ذلك ( فإن يكفر بها هؤلاء ) الضمير في بها للحكم والنبوة والكتاب ، أو للنبوة فقط ، والإشارة بهؤلاء إلى كفار قريش المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( فقد وكلنا بها قوما ) هذا جواب الشرط : أي ألزمنا بالإيمان بها قوما ( ليسوا بها بكافرين ) وهم المهاجرون والأنصار ، أو الأنبياء المذكورون سابقا ، وهذا أولى لقوله فيما بعد ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) فإن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار إذ لا يصح أن يؤمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بهداهم ، وتقديم بهداهم على الفعل يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء ، والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله . وقيل المعنى : اصبر كما صبروا ، وقيل اقتد بهم في التوحيد ، وإن كانت جزئيات الشرائع مختلفة . وفيها دلالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم مأمور بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نص . قوله ( قل لا أسألكم عليه أجرا ) أمره الله بأن يخبرهم بأنه لا يسألهم أجرا على القرآن ، وأن يقول لهم ما ( هو إلا ذكرى ) يعني القرآن ( للعالمين ) أي موعظة وتذكير للخلق كافة الموجودين عند نزوله ومن سيوجد من بعد . وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : الخال والد والعم والد ، نسب الله عيسى إلى أخواله فقال ( ومن ذريته ) حتى بلغ إلى قوله ( وزكريا ويحيى وعيسى ) . وأخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال : دخل يحيى بن يعمر على الحجاج فذكر الحسين ، فقال الحجاج : لم يكن من ذرية النبي ، فقال يحيى : كذبت ، فقال : لتأتيني على ما قلت ببينة فتلا ( ومن ذريته ) إلى قوله ( وعيسى ) فأخبر الله أن عيسى من ذرية آدم بأمه ، فقال : صدقت . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال : أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال : بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي تجده في كتاب الله ، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده ، فذكر يحيى بن يعمر نحو ما تقدم . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر